الشيخ محمد رشيد رضا
276
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
سببه والمراد منه ولا أذكر أنني رأيت ذلك في شئ من الكتب التي اطلعت عليها فيجب الرجوع في ذلك إلى التاريخ ، أي سيرة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا تذكرنا أن هذه الآية نزلت بعد غزوة بدر الآخرة التي سبق ما ورد فيها من الآيات بعد الكلام في غزوة أحد وغزوة حمراء الأسد - وتذكرنا أن ذلك كان في شعبان من سنة أربع وتذكرنا ما كان في سنة خمس من حديث الافك وقذف عائشة الصديقة برأها اللّه تعالى - ومن تألب اليهود ونقض عهودهم ومحاولتهم قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أجلاهم وأمن شر مجاورتهم إياه بالمدينة - ومن تألبهم مع المشركين وجمع الأحزاب من الفريقين وزحفهم على المدينة لأجل استئصال المسلمين - وما كان في ذلك من البلاء الشديد والجوع الديقوع والحصار الضيق الذي قال اللّه فيه كله ( 33 : 9 إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا 10 ) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ) إذا تذكرنا هذا كله علمنا أن الآية تمهيد له وإعداد للمسلمين لتلقيه لعل وقعه يخف عليهم ولذلك قال ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) يعنى إن تصبروا على البلاء الكبير الذي سيحل بكم في أموالكم وأنفسكم وعلى ما تسمعون من أهل الكتاب والمشركين من الأذى وتتقوا ما يجب اتقاؤه في الاستعداد لذلك قبل نزوله ومكافحته عند وقوعه ، فان ذلك الصبر والتقوى من معزومات الأمور ، أي الأمور التي يجب العزم عليها ، أو مما عزم اللّه أن يكون ، أي من عرمات قضائه التي لا بد من وقوعها . ومن تدبر هذا علم ضعف رواية ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس رضى اللّه عنه ان الآية نزلت فيما كان بين أبى بكر وفنحاص وقد سردنا الرواية من عهد قريب فان هذه الوصية المؤكدة للمؤمنين كافة وما سبقها من التمهيد أكبر من ذلك وان حسنها من رواها ، ويرجح ما اخترناه في الآية السابقة من كونها في المؤمنين لا في الكافرين . وفي رواية عند عبد الرزاق عن عبد الرحمن بن كعب أن الآية نزلت في كعب بن الأشرف فيما كان يهجو به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه وهذه أضعف من